موقع صالح الشاعر | الزمن الضائع
الزمن الضائع
اختر قصيدة

سافرتُ إلى كل البلدانْ

ووصلتُ إلى كل الأرجاءْ

ودخلتُ قصور ذوي التيجانْ

وصحبتُ السوقة والدهماءْ

طوّفت كثيراً في الأحياءْ

ومشيتُ على اليابس والماءْ

حلّقتُ على كل الأجواءْ

ورجعت أفتّش عن إنسانْ !

عاشرت الناس 

خَبِرْتُ الناس 

ورأيت ملايين الأجناس

الناس على كل الألوان

ورأيت الشك مع التَيَهان

والباطل يحصد كل الناس

أنا حقًا في الزمن الضائع

ما كان زماني كالأزمان

زمن هبطت فيه الأذواق

زمن دثرت فيه الأخلاق

زمن يردى فيه الإنسان

زمن سخرت منه الأزمان

أنا في عصر مَلأَ الدنيا

بشعارات الكذب الجوفاء

حب   ومساواة   وإخاء

وسلام الذئب مع الحملان

وبجانب ذاك   أرى الطغيان

وأشاهد حقداً والبغضاء

في زمني أصبحت الدنيا 

سوداء   وغطّاها الدخّان

ما عادت ناصعة بيضاء

اصطبغت بنفاق ورياء

منقوشٍ في ثوب البتهان

وأدت أحلاماً للبسطاء

حرمتهم من جُلّ النعماء

وضعتها في أيدي الأعيان

 

في عصر أدركه الطوفان

 

لا عاصم فيه من الفيضان

 

أتمنى قبل خروج الماء

 

أن أصبح   تُرْبًا في الكثبان

 

 

٭ ٭ ٭

 

تمدّين طرْفاً   فيهرب طرْفي

تمدّين كفًّا فأسحبُ كفِّي

تقولين : أَقْبِل وفي مقلتيك

بريقٌ يزيدُ شكوكي وخَوفي

وفوق الشفاه يلوح ابتسامٌ

وتحت الضلوعِ كتيبةُ عُنْفِ!

أعيشُ برُعبٍ وأنتِ جواري

وأسمعُ صوتكِ في كلِّ زحفِ

فأغفو بعينٍ .. وأفتح عينًا

لأحميَ منكِ جداري وسقفي

وأقبلُ منكِ الهدايا   ولكنْ

أُحاذرُ أن تَفْجئيني بنسفِ!

أخافُ هدوءَكِ في كلِّ فعلٍ

وأخشى القِناعَ المَزينَ بلُطفِ

وأقبلُ منكِ عهوداً أمامي

وأسمع همس التآمر خلفي

وُعُودُكِ دومًا بها همهماتٌ

تكادُ تبوحُ بنيَّةِ خُلفِ!

تَمُدِّين للحبِّ والوُدِّ حبلاً

صبيغاً بألوان غشٍّ وزيفِ

ولستُ مُحِبًّا لمن جعلتني

أنام على مثل شوكٍ ورَضْفِ

سألتُكِ أن ترحلي عن جواري

فقد صرتِ لي جارةً رغم أنفي!

***

الغيم ناداني ليهمس لي   

بأنّ العالم المجنون آن له الفناءْ

ويقول إنّ الأرض لن تبقى كثيراً 

بعدما غصّت بمسفوح الدماءْ

يومًا   أظلّ الأرض عدلٌ 

أمّـةٌ مـنـصـورةٌ 

مخلوقةٌ من كبرياءْ

لكنّها ضعفت بوهنٍ 

واسـتـكـانت 

واستنامت في الظلالِ

مع الـغـثـاءْ

خَلَعَتْ رداء العزّة الأسمى 

وخَاصَمَت النضالَ 

استثقلَتْ حَمْل اللواءْ

والشمس قالت :

إنّ هذا الشرق لن يبقى كما هو 

مرتعًا للأغبياءْ

قد كنت أطلع سابقًا من مشرفي 

كي أحميَ الغربيّ من برد الشتاءْ

والآن سوف ترون معجزةً 

وسـوف تـرونَ 

كيف أدير ظهري   للوراءْ

من مغربي سأعود أشرقُ 

كي أعيد لحلفيَ المهزومِ 

قربان الوفاءْ

يومًا تحالفنا 

وكان الشرق عنوان الحضارةِ 

والسماحةِ والإخاءْ

لكنّه اختار الوداعةَ والخنوعَ 

وآثر - الغِرُّ - الزوال على البقاءْ

والآن آن له النهوض مجدّدًا 

سترون هامته قريبًا في العلاءْ

في كلّ يومٍ كنت أشرقُ 

كان لي أختٌ 

تصاحبني   تشاطرني السماءْ

شمس العروبة طالما سَطَعتْ 

على كلّ البسيطةِ 

يوم كان لها الصفاءْ

لا   لا تقولوا في خضوعٍ يائسٍ 

" حانت وفاة العُرْبِ"  

ما هذا الهراءْ ؟!

 

الأمّة الغرّاء قادمةٌ 

 

ستملأ هذه الدنيا 

 

بفيضٍ من ضياءْ

 

ستعيد سابق عهدها 

 

ستعيد ضائع مجدها 

 

ستظلّ تعرج في السناءْ

 

ستعود تشرق بالسلامِ 

 

ستستعيد الإبتسامَ 

 

فقد مضى عهد البكاءْ

 

سترونها 

 

سترونها 

 

فتذكّروا هذي النبوءةَ 

 

بعدما يمضي المساءْ

 

٭ ٭ ٭

 

أسيرُ   وألفُ ألفِ صحيفةٍ

في خاطري تُطبَعْ

أسيرُ وألفُ ألفِ تساؤلٍ

في خاطري يسطعْ

لماذا أصبح الإنسانُ

ربَّ القهر والمدفعْ ؟

لماذا صار كالحيوانِ

في بيتٍ وفي مصنعْ ؟

لماذا في بلادي

صارت الشُبُهاتُ في المخدعْ ؟

تنادي مَنْ يضاجعُها

مُهيِّئَةً له المضجعْ

ليُمسي بين أحضانٍ

مُلوَّثَةٍ ومُستنقعْ

إليها مُسرعًا يمضي ..

ولكنْ حتفٌهُ أسرعْ !

أسيرُ   وألفُ ألفِ صحيفةٍ 

في خاطري تُطبَعْ

أسيرُ   وألفُ ألفِ تساؤلٍ 

في خاطري يسطعْ

لماذا صارت الأيّامُ

مِمَّا قبلها أشنعْ ؟

لماذا نحن منتقلونَ

من بشِعٍ إلى أبشعْ ؟

لماذا إن يكَدْ أملٌ

يعُمُّ ديارَنا يُصرَعْ ؟

لماذا كُلَّما سِرنا

وراء بريقهِ أقْلَعْ ؟؟

لماذا صار في وطني

لكُلِّ معربِدٍ مرتعْ ؟

لماذا صار في قومي

لكُلِّ مخادِعٍ مطمعْ ؟

لماذا نحنُ أغرارٌ

نُغَرُّ بكلِّ ما يلمع ؟

لماذا فرَّقتْنا الأرضُ

تفريقاً ولم تَجمَعْ ؟

لماذا صارت الدعواتُ

في المحراب لا تُرفَعْ ؟

لماذا نصرُخُ الصرخاتِ

في الدنيا ولا نُسْمَعْ ؟

أسيرُ   وألفُ ألفِ صحيفةٍ 

في خاطري تُطبَعْ

أسيرُ   وألفُ ألفِ تساؤلٍ 

في خاطري يسطعْ

أحملِقُ في الطريقِ عسى

 أرى عينًا به تدمعْ

عجيبٌ .. كلُّنا ضَحِكٌ

ووجه الأرض قد أينعْ

بكلِّ مباهج الدنيا

وهيْ للناس مُستَمتَعْ

كأنَّا قد دخلنا جنّةً

من بابها الأوسعْ

وإن كانت حقيقتنا

كمن يمشي على أربعْ

وإن كانت دخيلتنا

يبابٌ .. ما لها منفعْ 

ضمائرُنا منوَّمةٌ

كقَوَّادين لا تمنعْ

لأهواءٍ مُضَرَّمَةٍ

بنا كالنارِ لا تشبعْ

إذا عشنا بأفئدةٍ

عليها الرانُ لا تنصعْ

وصرنا مثل أعشاب السمومِ

فليتنا نُقلَعْ!!

 

٭   ٭   ٭

 

يقولون لي : كن وديعا 

 

وكيف أكون وديعا ؟

 

وقد مات عصر الوداعة قهرًا 

 

وولّى سريعا

 

وجاء الزمان العنيف 

 

وأخشى به أن أضيعا

 

زمان الأمان تُوُفّيْ 

 

فمات الأمان رضيعا

 

وخلّفَنا في ظلامٍ 

 

فمن سيضيءُ الشموعا؟

 

يقولون لي : كن وديعا 

 

وكن للزمان مطيعا

 

وإن جُعتَ يومًا 

 

فلستَ بأوّل من مات جوعا

 

ولستَ بأوّل عطشان يظما 

 

فيُسقى دموعا

 

لماذا تخاف الخريف؟ 

 

لماذا تريد الربيعا؟

 

ستعتادُ برد الشتاء 

 

سوف تحبّ الصقيعا

 

يقولون : عِش بالهوان 

 

أدِم للزمان الركوعا

 

فهذا زمانٌ عنيفٌ 

 

وليس الزمان الوديعا

 

تمخّضَ هذا الزمانُ 

 

فأنجب ظلماً فظيعا

 

غَذَاه بقهرٍ 

 

فأصبح بالقهر فينا وَلوعا

 

سيترك من كان بالعيش في الذلِّ 

 

سمْحًا قَنوعا

 

فلا تتهوّرْ 

 

وهادِنْ   وسالِمْ   وأعلِنْ خضوعا

 

أيا زمن الظلم

 

ليتكَ كنتَ لصوتي سميعا 

 

أتيتَ على غفلةٍ   فانتبهنا 

 

وكنّا هُجوعا

 

رميتَ الجميع بشرٍّ 

 

وللخير كنت مَنوعا

 

فقمنا   وها نحنُ نمضي

 

نخوض النضال جميعا

 

ولن نترك الظلم فوق ذراعيكَ 

 

إلاّ   صريعا

 

٭ ٭ ٭

 

ظللتُ يا بدرُ دهرًا 

أشكو إليك همومي

ظننتُ أنّك حِبّي  

وصاحبي   ونديمي

مسامرٌ   ذو بهاءٍ 

تختالُ بين النجومِ

دومًا   تجيء بوجهٍ 

مستبشرٍ   ووسيمِ

لكنْ   عجبتُ لشيءٍ 

يحتاج للتفهيمِ

في وجهكَ المتلالي 

آثار جرحٍ قديمِ

أأنت مثلي   جريحٌ ؟

أفيك مثل كلومي ؟

ظللتُ يا بدرُ دهرًا 

أرى لديكَ نعيمي

ولم أكن فلكيًّا 

ولستُ ذا تنجيمِ

ظننتُ أنّك حِبّي 

وصاحبي .. ونديمي

لكنْ بدأتَ تُوَلّي 

وتختفي في الغيومِ

وغبتَ عنّي طويلاً 

تركتني في جحيمِ

تركتني في ظلامٍ 

بلا صديقٍ حميمِ

فهل مللتَ شكائي 

من لوعتي وغمومي؟

أم قد ظننت كلامي 

خرافة المحمومِ ؟

إن كان هذا فعُد لي 

 

ولا تَسُرَّ غريمي

 

فلن أبثّك شيئًا 

 

من همّيَ المكتومِ

 

وسوف أعرف وحدي 

 

دواء قلبي السقيمِ

 

وعدٌ عليَّ   سآتي 

 

غدًا بقلبٍ سليمِ

 

ولستُ أرجع يومًا 

 

إلى ضلالي القديمِ

 

٭ ٭ ٭

 

العشق جنونٌ في زمني 

والحبُّ كلامْ

ما في هذي الدنيا 

إلاّ مرّ الآلامْ

والعاشق فيها مغبونٌ 

مثل الأيتامْ

ما جدوى الحبِّ ؟ 

إذا كانت هذي الأيّامْ

تنفي حلو الأشياء 

وتستبقى الأوهامْ

والعاشق مخدوعٌ 

مفتونٌ بالأوهام

رومنسيٌّ 

لا يحيا إلا بالأحلامْ

في دنيا التيه الدامس والإظلام التامّْ

في عصر التيه الدامسِ 

والإظلام التام 

غدت الأحقادُ 

تسودُ الدنيا   والإجرامْ

وغدا الإنسانُ بها 

رقماً بين الأرقامْ

وسعادته في الوهمِ 

وصحّتَه برشامْ

معبود الناس هوىً 

وطريقهمُ إظلامْ

وشريعتهم كالغابةِ 

أو فوضى بنظامْ

والعاقل فيهم كالمجذومِ 

عليه السامْ

منبوذٌ بينهمُ 

والعيش عليه حامْ

في أيّ زمانٍ 

يصدح طيرٌ بالأنغامْ ؟

في عصرٍ 

أحرق كلّ أمانينا بضرامْ

واستعبَدَنَا واستعبَدَهُ 

شرُّ الظُلاَّمْ

وغدونا خُدَّامًا لهمُ 

بئس الخُدَّامْ

بسياطٍ فوق عواتقنا 

نحن الأقزام

وشفاء الغاضب من قومي 

حرقُ الأعلامْ!

وهتافاتٌ بالويل  

كأصوات الأنعام

لعنٌ وسبابٌ 

ما أقوى هذا الإقدامْ !

يا قوم   

وهذا وقت استئصال الأورامْ

مَرْضَى   زَمْنَى 

فمتى نُشْفَى ؟ 

وإلامَ ننامْ ؟

العار عليكم 

من أنتم بين الأقوامْ؟

أين المتعزّزُ ؟ 

أين الشامخ والضرغامْ؟

بالله وأين رقابٌ

طاولت الأهرام؟

ملعونٌ منكمْ 

من يرضى بوس الأقدامْ

ملعونٌ عند اللهِ 

وإن صلّى أو صامْ

للعزّة ثوبٌ 

أقدسُ من ثوب الإحرامْ!

أنا لستُ أريق الشِعرَ 

على قدم الأصنامْ

أنا لا أبغي من شِعري 

تصفيق الأنعامْ

لا شِعري كالأزهارِ 

ولا هو كأس مُدامْ

شِعري حُمَمٌ تتلظّى 

كَلِماتي ألغامْ

شِعري صلبٌ 

يتحدّى ذلّ الإستسلامْ

جرّاحٌ يمضي مصطلِمًا 

خبث الأسقامْ

لا يرضى حكمًا للطغيانِ 

سوى الإعدامْ

وغسولٌ باللعَنَاتِ 

وتكفينٌ برغامْ

في عصرٍ أحرق كلّ أمانينا

بضرامْ

أنا لا أبغي من شعري 

تصفيق الأنعامْ

وسأمضي فوق الشوكِ 

وإن لام اللُّوّامْ !

٭ ٭ ٭

 

أحوالنا في منتهى القبح

والليل مشتاقٌ إلى صبحِ

كنّا ذُرى شرفٍ فأهوينَا

من فوق قمّته إلى السفحِ

غدت الذئاب تلوك أعظُمنا

والدمّ أنهارٌ من الجُرحِ

أنظلُّ في الهذيان نسألهم

ما الفرق بين القتل والذبحِ؟

صرح الكرامة هدّموه لنا

أنعيش في متهدّم الصرحِ؟

بالفلس في سوق النخاسة

بعنا عِرضنا بخسًا بلا ربحِ

يا قوم   كيف نبيع عزّتنا

ونَذِلُّ بالغفران والصفحِ؟

بين البريّة نحن أمّةٌ اشـ

ـتهرت بعلْو الصوت والنَوْحِ

أمّا الفِعال فنحن منتظرونَ

تحقُّق المكتوب في اللوحِ

في الوحل عُمِّدنا ومازلنا

نحتار بين الغَسل والمسحِ

الناس تصعد للنجوم ونحنُ

نضيع بين الجمع والطرحِ

وقنابل الكلمات نصنعها

مجدًا بلا سيفٍ ولا رمحِ

يا راويَ التاريخ لا تفتحْ

صفحاتِنا فالعار في الفتحِ

صفحاتنا سوداء قاتمةٌ

وسوادها يغني عن الشرحِ

يكفيك بعض سطورها   فبها

عِبَرٌ   لمن يحتاج للنصحِ

واكفف لسانك عن بقيّتها

أتريد كيّ الجرح بالملحِ ؟

يا شمسُ .. يا عبق الورودِ ويا

قطر الندى .. يا سنبل القمح

 

شوقٌ لكم يجتاحُنا .. فمتى

 

نلقاكمُ في ساعة الفرْحِ؟

 

ومتى نصالح دهرنا؟ أم قد

 

ضاعت دروب الفرح والصلحِ؟

 

ومتى نرى في النور صفحتنا؟

 

ومتى .. متى ننأى عن القبحِ؟

 

٭  ٭  ٭

 

هذي هي السياسةْ

 

البسمة الفنّانهْ

 

والخطبة الرنّانهْ

 

والياقة البيضاءْ

 

من أجلها الحميرْ

 

تضجّ بالصفيرْ

 

والطبل والغناءْ

 

أكفّهم تصفيقْ

 

أصواتهم تنهيقْ

 

بمنتهى الحماسهْ

 

لصاحب السعادهْ

 

وصاحب التعاسهْ

 

 

وصاحب السياسهْ

 

مهذّبٌ لطيفْ

 

يشير بالرغيفْ

 

في منتهى النعومهْ

 

وخلفه السوادّ

 

ومن ورا الزنادْ

 

تنوح بألف بومه

 

في وجهه الصفيقْ

 

النار والحريقْ

 

والعنف والشراسهْ

 

فيالها إرادهْ

 

تليق بالسياسهْ

 

 

في لعبة السياسهْ

 

يُلوَّن الزمانْ

 

وتُرسَم الجِنانْ

 

وتُوهب الصكوكْ

 

ويُرفع الرعاعْ

 

من طينةٍ وقاعْ

 

لقمّة الملوكْ

 

وتلك عبقريّهْ

 

لها يدٌ خفيّهْ

 

في غاية الكياسهْ

 

باللين والهوادهْ

 

تجمّل السياسهْ

 

 

في مسرح السياسهْ

 

كل الوجوه زَيْفْ

 

والصدق فيه ضَيْفْ

 

يحلّ يرتحلْ

 

والرابح الكذوبْ

 

الناعم اللعوبْ

 

هذا الذي يصلْ

 

وفيه طيّبونْ

 

«نعمْ» «موافقونْ»

 

ومَن يهزّ راسهْ

 

والحقّ للشهادهْ

 

جميعهم كناسهْ

 

٭ ٭ ٭

 

أفتّش عن طريقي منذ أن سُوّيتُ إنسانًا

وحتى الآن لم أرَ في بحار التيه شُطآنًا

أفتّش عنه في كلّ الأماكنِ أينما كانًا

 وأبحثُ .. ربّما ألقاه يوماً ما أو الآنَا !

فؤادي دائم التسآلِ ينثر منه أفنانَا

يجرّب كلّ يومٍ من ضروب الشكّ ألوانَا

ويرجع بعدُ ممتلئًا بحقّ الحقّ إيمانَا

أراه كلّ حينٍ ناصبًا للعدل ميزانَا

وحين تخونه أحكامه ويظلّ حيرانَا

ينوء بحُلَّة القاضي .. يعود إليّ عريانَا !

عيوني تعشق الألوانَ عشقًا صار إدمانَا

وأذني تعشق الألحانَ عشقَ المدمنِ الحانَا

وأهوى كلَّ حُسْنٍ في الحِسانِ أراه فتَّانَا

ولستُ أنا الذي جعل الجمالَ عليَّ سلطانَا

ولستُ أنا الذي قد أضرم الرغبات نيرانَا

أنا الفنّانُ أروي مهجتي لأظلّ فنّانَا

أنا أهفو إلى وطنٍ إليهِ عشتُ ظمآنَا

لعلّي أستريح به وألقى فيه سلوانَا

وأزرع كلَّ أحلامي به وردًا وريحانَا

أتُوقُ إلى حياةٍ لا تسوم النفس أحزانَا

أتوقُ إلى نهارٍ مفعمٍ نغماً وألحانَا

وليلٍ لا أرى فيه من الظلمات طوفانَا

وحبٍّ يحتوي قبلي فينبض فيه نشوانَا

ودربٍ واضح القَسَمَاتِ فيه الحقُّ قد بانَا

ولكنّي سَرَيتُ ولم أجد للبحر شطآنَا

ولم أجد الخريطةَ .. لم أجد للقلب رُبَّانَا

فهل سأرى مراد النفسِ أم سأعود نَدمانَا؟

أفتّش عن طريقي منذ أن سُوّيتُ إنسانَا

 

وأومن بالّذي من طين هذي الأرض سوّانَا

 

وقلبي للإلَهِ يضمّ طاعاتٍ وعصيانَا

 

ويطمع أنّه سيجودُ مغفرةَ وإحسانَا

 

فهوْ أدرى بما نطوي ويعلم كلَّ نجوانَا

 

ويعلم أنّني من فرط جهلي تُهتُ أزمانَا

 

فلستُ من الملائك في السماءِ ولستُ شيطانَا

 

أنا الإنسانُ أطلب عونه لأكون إنسانَا

 

٭   ٭   ٭

 

طال شوقي إليكِ يا بَسَمَاتي 

فمتى تسكنين في وَجَنَاتي ؟

عن شفاهي أطلتِ بُعدكِ حتى

صرتِ في خاطري من الذكريات

كيف خنتِ الوداد .. كيف ، وخلّفـ

ـتِ همومي معاولاً في حياتي؟

إيه يا بسمتي .. وكيف أعنتِ

الدهر في شقوتي وفي نكباتي؟

ها أنا أغتدي .. وروحي بقيدٍ  

تَرْسُفُ الدهرَ فيه .. والدهرُ عاتِ

وعيوني دوّامةٌ من جحيمٍ 

وفؤادي بحرٌ من الحسراتِ

وحياتي متاهةٌ سرتُ فيها 

رغم أنفي كأنّني في سباتِ !

رحلتي كم نثرتُ فيها الأَمَانيّ 

بكفّ السرور .. منتشياتِ

كان قصدي لأن أراها تغنّي 

لحياتي روائع النغماتِ

وأنا الآن لا أراها .. ولا أسـ

ـمع تغريدها .. سوى أنّاتِ

لِمَ لا ترجع الأماني إليَّا؟

وبريق الأحلام في مقلتيَّا؟

أَزَماني هو البخيل عليَّ؟

أم هو الحُلْم   صادر داءً دَوِيَّا؟

ليتني قد رجعتُ طفلاً صبيَّا

طابعٌ بسمتي على شفتيّا

أحضن الأمنيّات بين يديَّا

وأغنّي فأُوسِعُ الحزنَ كَيَّا

إيه يا حلْم .. كم أضأتَ ليَ الدربَ 

فما لي أصبحتُ في الظلماتِ؟

أَوَفاءٌ يا حلْم أن تتخلّى  

عن فؤادي في أصعب اللحظاتِ؟

أَيَسيرٌ عليكَ همّي .. وصعبٌ

أن تراني أُفيقُ من لوعاتي؟

أَكثيرٌ أن أستريح قليلاً 

مِن عناءٍ تبثّه عَبَراتي؟

أَعَجيبٌ أن أستعيدَ ابتساماتِ

فؤادي وأَجْتَلي ضحكاتي؟

أم تراني ضيّعت عمري بحلمٍ

مستحيلٍ وكنت في سكرات ؟

لا وربّي .. سأعبر الدرب مهما 

عَصَفَت ريح اليأس في طرقاتي

ليس صعبًا أن أفتح الباب من قلـ

ـبي على النور في ضحى الجنّاتِ

أنا ماضٍ وسوف أَلقَى نجومي 

في طريقي وبسمتي مرآتي

والعذاب الذي رأيتُ سيذوي

كسرابٍ في واحة الذكرياتِ

***

طلبوكِ بليْلٍ ونهارِ

 

وعدوكِ بذلٍّ ومرارِ

 

التهمة أنّكِ ماضيةٌ

 

في البحر بعكس التيّارِ

 

في رأسكِ ثائرُ بركانٍ

 

وبه عقلٌ كالإعصارِ

 

كانوا يبغونكِ دُمْيتهمْ

 

خُدِعوا بالحُسن السَحَّارِ

 

لم تمتثلي لأوامرهمْ

 

لم تَسْتَخْذِي للأشرارِ

 

خابوا  . . خسئوا  . . وحبائلهمْ

 

قُطِعتْ بحسامٍ بتّارِ

 

وضعوكِ بسجنٍ . . جعلوكِ

 

قابعةً خلف الأسوارِ

 

غمروكِ بآلامٍ شتّى

 

تهمي  . . كالسيلِ المدرارِ

 

حسبوا أنّكِ في سجنهمُ

 

ستخور قواكِ وتنهاري

 

ما علموا أنّ مساعِيَهُمْ

 

ذاهبةٌ من غير ثمارِ

 

لكِ عزمٌ يغلب كيدهمُ

 

كالصخرة  . . تُرْمَى بغبارِ

 

 

جعلوني السجّانَ  . . وقالوا !

 

لا تسمع منها  . . وحذارِ

 

أن تدنو منك مناجيةً

 

وتسرّ إليك بأسرارِ

 

لو كان الأمر كما أهوى

 

لجعلتُ مقامكِ في داري

 

وجعلْتُ قيودكِ من ذهبٍ

 

بيديكِ على شكل سوارِ

 

وجعلتُ فراشكِ ديباجاً

 

وكَسوتُكِ ثوبي ودثاري

 

ونَظَمْتُ التاج على رأسٍ

 

هي شمسٌ بين الأقمارِ

 

 

أنا إن كنتُ عليكِ السجّانَ  . .

 

فإنّي لستُ بمختارِ

 

لكنّي مثلكِ مسجونٌ

 

وخضعْتُ لحكم الفجّارِ

 

لا بأس لديّ فأقهرهمْ

 

بيديّ . . ولستُ بجبّارِ

 

ما بعد الليل وظلمتهِ

 

إلا إشراقٌ لنهارِ

 

فاصطبري  . . إنّ صنائعهمْ

 

يومًا صائرةٌ لِدَمَارِ

 

   

جاء الديوان الأول (من قلبي) يحمل الطابع العاطفي الرومانسي .. أما ديوان (الزمن الضائع) المنشور عام 2004 فقد حمل بصمة الزمن وهمومه وما فيه من آمال وآلام .. هموم النفس وخلجاتها ، وهموم الأمة ومآسيها ، وهو الوجه الحزين لشاعر رومانسي.

الناشر: طبعة خاصة
سنة النشر: 2004م
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 18109