العودة للرئيسية

مراسلة صاحب المدونة

أخبار الموقع

استكشف الموقع

صفحة جديدة 1


حتى تكون كاتبا 3-5

26 يوليو 2010

مقاسات الكتب الشائعة ثلاثة: الأول مقاس الكتاب المعتاد وهو (17 سم X 24 سم)، والثاني نصف ذلك (17 سم X 12 سم)، أما الثالث فهو الجاير ومقاسه (14 سم X 20 سم).

بصفة عامة تكون كتلة الكلام هي كتلة الكتاب مخصومًا منها 2سم من كل جانب.

وكل مقاس من المقاسات يناسب طبيعة محتوى الكتاب، فمثلاً الكتب التي تعد علمية متخصصة يناسبها المقاس الكبير، أما كتب الشعر فالمقاس الصغير، والمقاس الجاير يناسب كتب الثقافة العامة والروايات والقصص.

الأمور الشكلية بسيطة جدا، وزيارة واحدة لمكتب كمبيوتر ستجعلك تعرفها معرفة جيدة.

هذا الأمر بجوار أنه يعطيك نقطة باعتبار أن كتابك مقدَّم بشكل لائق، سيجعل الناشر مستعدًا لاتخاذ قرار النشر؛ لأن الكتاب جاهز ولن يضطر للتخديم عليه بكتابته على الكمبيوتر والاستعانة بمراجع لغوي وإخراج بروفات وما إلى ذلك مما يطلق عليه (Dirty Work)، ويتكلف على الأقل 5 جنيهات للصفحة الواحدة في مصر بمقاييس اليوم.

إذا كنت قد قدَّمت الكتاب للناشر مخطوطًا وتمت الموافقة على نشره ففي الغالب سيطلب منك أن تراجع البروفة النهائية، ولو لم يطلب منك فإنه سيكون مسرورًا إذا عرضت أنت ذلك، دخلنا إذن في مرحلة أثناء النشر.

للحديث بقية،، مع تحياتي،، د. صالح الشاعر

حتى تكون كاتبا 2-5

25 يوليو 2010

ندخل في الموضوع إذن، عملية نشر الكتاب تتلو عملية التأليف، وهي ـ باختصار ـ تتم على مراحل: مرحلة المقابلة الأولى، ومرحلة الإعداد للنشر، ومرحلة ما بعد النشر.

قبل أن تعرض كتابك على ناشر، اجمع معلومات عنه، فقد تكتشف أنه ضمن فريق ((الناشرين أجنحة النصب على المؤلفين)) وأنه صاحب سوابق مع الكُتَّاب، يأكل حقوقهم مثلاً، أو يقدم مخطوط الكتاب إلى جهة أمنية، كذلك يجب أن يكون كتابك مسجَّلاً في وزارة الثقافة، حتَّى تتيح لنفسك فرصة التفاوض مع أي جهة ومن غير أن تكون مستعجلاً، وأيضًا لحفظ حقوقك المادية والأدبية، فربَّما تختلف مع ناشر ما فينتقم منك بإصدار الكتاب دون علمك وباسم مؤلف آخر من المؤلفين المرتزقة أو حتى من موظفي مكتبته.

في المقابلة الأولى يجب أن تخطف عين الناشر، فالكتاب الذي يكتب بخط سيء أو يقدم في أوراق متفرقة أو مجموعة بغير عناية يفقدك كثيرًا من النقاط ولو كان ذا أهمية علمية قصوى.

إضافة إلى العرض المادِّي للكتاب في الأوراق المبدئية، يجب أن يكون لديك كلمة بسيطة لا تستغرق عشر دقائق تعرف فيها بكتابك بأقرب الصور للبساطة، ومن غير تكلُّف أو مبالغة أو ادِّعاء، أبرز أهم النقاط في كتابك بشكل يستطيع الناشر فهمه بأقل قدر من التفكير.

إذا كنت تستطيع عرض الكتاب مطبوعًا بصورة تقترب من الصورة التي سيكون عليها حين ينشر (من ناحية المقاسات وحجم الخط وما إلى ذلك) فافعل، هذا العمل سيساعد الناشر على التخيل ويجعله يضع تصوُّرًا للكتاب وكم صفحة سيكون وما حجم الاستثمار فيه.

للحديث بقية،، مع تحياتي،، د. صالح الشاعر

حتى تكون كاتبا 1-5

24 يوليو 2010

عملت سنوات في عدد من دور النشر مصحِّحًا لغويًّا، ثم مديرًا للتحرير ومستشارًا للنشر، ولهذه التجربة أثرها، حيث تمثل هذه الوظيفة حلقة الوصل بين المؤلف والناشر، وكان من فوائدها أني اطَّلعت على أشياء قد تغيب عن ذهن الكثيرين ممن يريدون دخول عالم التأليف.

في البداية، الناشر تاجر، وليس هيئة علمية ثقافية، بالمناسبة لا يعني كلامي التقليل من الناشرين، فكثير منهم على درجة كبيرة من الوعي والثقافة العامة.

إذن ما مقصودي من هذا؟ كون الناشر تاجرًا يعني أن على المؤلف أن ينظر من هذه الناحية حين يتعامل مع دور النشر، لا يوجد تاجر يريد أن يخسر، ولهذا فبضاعة المؤلف التي يعرضها لا بد أن يعرضها بشكل يؤكد أنها رابحة وتستحق أن يضع التاجر نقوده فيها.

للحديث بقية،، مع تحياتي،، د. صالح الشاعر

مهنة التصحيح اللغوي

21 يوليو 2010

إهداء: إلى أخي المصحح/ أحمد سعيد

نشأت مهنة التصحيح اللغوي مع نشوء الطباعة، فقبل اختراع المطبعة كان تداول الكتب يعتمد على النسخ اليدوي، سواء نسخ الراغب في الكتاب بيده أو لجأ إلى أحد الوراقين الذين يمتهنون هذه المهنة، وحين كانت الأمور كذلك كان صاحب النسخة يطمئن على نسخته بقراءتها على المؤلف لإصلاح ما فيها من عوج وإكمال ما فيها من سقط، وهو ما يعرف باسم “المقابلة”، وبعد المقابلة يزيد عليها ملحوظاته الخاصة عن طريق كتابة التعاليق مثلاً.

حين نشأت الطباعة ـ ذلك الفعل الميكانيكي ـ في منتصف القرن الخامس عشر كان تحضير الكتاب يتم بجمع الحروف وضم الأسطر،  وبطبيعة الحال كان يقوم بهذه المهمة عمال ربما ـ في الغالب ـ لا يجيدون القراءة، فكان لا بد من وجود شخص مثقف يقوم بمراجعة تحضيرات الكتاب قبل الشروع في الطباعة، ومن هنا نشأت مهنة المصحح اللغوي.

في سنة 1716 أنشئت أول مطبعة عربية في الآستانة في عهد السلطان سليم الثالث حيث كانت تطبع تلك المطبعة الكتب غير الدينية فقط، ثم شجع السلطان سليم الثالث طباعة كتب الدين والفقه وأمر بفتح مطبعتين أخريين، وقد ظلت مصر بدون مطبعة حتى العام 1819 عندما أمر والي مصر محمد علي بإنشاء مطبعة في مصر وهي التي عُرفت باسم المطبعة الأميرية أو مطبعة بولاق وأنشئت عام 1922، ثم انتشرت مطابع المصريين إلى جانب مطبعة بولاق تؤدي دورها في مسيرة التقدم والتطوير المستمر لثقافة المجتمع المصري، فعلى سبيل المثال أنشئت المطبعة الوهبية نسبة إلى منشئها وصاحبها مصطفى وهبي بن محمد الذي كان رئيس مصححي اللغة التركية بمطبعة بولاق في عام 1863 م.

ويذكر لنا التاريخ بعض الأسماء الشهيرة في مجال التصحيح اللغوي، فعلى سبيل المثال:

نصر الهوريني، شيخ مصححي مطبعة بولاق

الشيخ محمد بن عبد الرحمن المعروف بالشيخ قطة العدوي، مطبعة بولاق

الشيخ طه قطريه، رئيس المصححين بمطبعة بولاق الأميرية

محمد الزهري الغمراوي، المطبعة الميمنية، مصر

عثمان حلمي قره حصاري، المطبعة العامرة، اسطنبول

الشيخ أحمد سعد علي، رئيس التصحيح بمطبعة الحلبي

كان المصححون في ذلك الجيل يلجأون إلى إعادة المراجعة بعد الطباعة ليزيدوا على النسخة المطبوعة عدة صفحات عبارة عن جدول فيه الموضع ـ مذكورا بالصفحة والسطر ـ واللفظ الخطأ وتصويبه، ولكن للأسف، ولأن العمل البشري دائما يعتوره الضعف والنقص، حتى هذه التصويبات كان يدخلها الخطأ، ولم يسلم منها على الإطلاق سوى القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه في جميع الأزمنة والأمكنة.

وتعد الأخطاء الطباعية نقطة مثيرة للجدل في هذه المهنة العجيبة، فحتى مع إعادة التصحيح أكثر من مرة ـ قد تصل إلى ثلاث بروفات أو خمس ـ يظل دائما الخطأ موجودا، والتفاضل بين المصححين لا يكون بانعدام الأخطاء وإنما بندرتها.

ويحتاج المصحح اللغوي مع الإلمام بقواعد اللغة إلى ثقافة عامة واسعة، ففي عالم الكتب كثير من المزلاَّت، والثقافة تعطي الذكاء الذي يجعل المصحح يتصرف لتفادي الأخطاء الكبيرة التي قد تشوه الكتاب وتضر بمادته العلمية.

ويحتاج أيضًا من يمتهن هذه المهنة أثناء عمله إلى التواصل مع المؤلف، ففي كثير من الأحيان لا يمكن الحكم على الصواب والخطأ إلا عن طريق المؤلف، فهو أدرى بما كتب وما يقصد.

وهذه الاحتياجات المذكورة في حكم المصحح الذي تمرَّس في التصحيح وأصبح لا يقتصر على التصحيح اللغوي وإنما قد يتدخل في المادة العلمية حذفًا وإضافة واقتراحًا، وهي مهنة (المحرر) المهضوم حقها في عالم الكتاب العربي، والتي يهتمون بها جدا في أمريكا والغرب، ويعدُّونه شريكًا للمؤلف ومسؤولاً عن محتوى الكتاب وكيف تأهل للنشر وكيف خرج على صورته النهائية، أما في مهنة المصحح المعروفة في بلادنا العربية، فلا يحتاج إلى أكثر من القواعد النحوية والصرفية والإملائية، ويستطيع أي حاصل على “دبلوم تجارة” أن يمارس هذه المهنة في إحدى صحفنا الغرَّاء.

والله الموفق،،، د. صالح الشاعر

حتى تكون كاتبًا!!

15 يوليو 2010


تحديث: الجزء الأول هنا

الجزء الثاني هنا

الجزء الثالث هنا

الجزء الرابع هنا

الجزء الخامس هنا

قريبًا سأنشر بضع مقالات أسبوعية تدور حول علاقة الكاتب بدار النشر وما يجب أن يعمله لنشر كتابه ومراحل عملية النشر وكيف يعمل المؤلف على ذيوع كتابه وانتشاره.

أرحب باقتراحاتكم واستفساراتكم

تقديم الصفة على الموصوف وتكلُّف النحاة

15 يوليو 2010

من بحثي في رسالة الماجستير

الأصل في الصفة أن تتلو الموصوف ، وعلَّة ذلك :
أنَّ الصفة ” تتمَّة للموصـوف وزيادة في بيانـه ، والزيادة تكون دون المزيد عليه ، وأمَّا أن تفوقه فلا ، فإذن وجه الكلام أن تبدأ بالأعرف ، فإن كفى وإلاَّ أتبعته ما يزيده بيانا ” (1).
وأنَّ الصفة خبر في الحقيقة ، فيجوز لمن قال : جاءني زيدٌ الفاضل ، أن يقال له : كذبت فيما وصفته أو صدقت ، كما جاز ذلك في الخبر (2) ، ووجه الشبه بين الخبر والصـفة أنَّ كلاًّ منهما محلٌّ للفائدة ، والأصـل فيه أن يتأخَّر عن مُعتمد الفائدة ( المبتدأ ، والموصوف ) .
وأنَّ الصفة تابعة للموصوف ، والتابع لا يقع قبل متبوعه (3) .

ولهذا منع النحاة تقديم الصفة على الموصـوف ، وجعله ابن جنِّي قبيحًا (4) ، وقصره ابن عصفور على المسـموع وذكر أنَّه قليل (5) ، فهو بذلك أقرب إلى أن يكون شاذًّا .

وممَّا جاء منه قول النابغة الذبيانيّ :
والمؤمن العائذاتِ الطيرَ يمسحها ركبانُ مكَّة بين الغيل والسندِ (6)
وقول حسَّان بن ثابت :
ومـن لـئـيـمٍ عـبـدٍ يـخالفـكم ليست له دعوةٌ ولا شرفُ (7)
وإن كان يحتمل كون ( لئيم ) و( عبد ) وصفان لمحذوف .

وقد استُثني من منع تقديم الصفة على الموصوف أمران :

الأوَّل : ما نقله الأشموني (1) عن صاحب البديع (2) من جواز تقديم الصـفة على الموصوف إذا كان لاثنين أو جماعة وقد تقدَّم أحد الموصـوفين ، فتقول : قام زيدٌ العاقلان وعمرو ، ومنه قول الشاعر :
ولستُ مقرًّا للرجال ظلامةً أبى ذاك عمِّي الأكرمان وخاليا (3)

الثاني : أن يصلح النعت لمباشـرة العامل ، فيتقدَّم مبدلاً منه المنعوت (4) ، ومن شواهده في القرآن قوله تعالى : ﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . اللّهِ … ﴾ (5) ، ومن الشعر قول الشاعر :
ولكنِّي بُليتُ بوصل قومٍ لهم لحمٌ ومُنكَرةٌ جسومُ (6)

ولأنَّ تقديم الصفة على الموصوف على غير القياس فقد ذكر النحاة أنَّ الصفة المتقدِّمة تنتقل إلى الحاليَّة ، قال سيبويه : ” هذا باب ما ينتصب لأنَّه قبيحٌ أن يُوصَف بما بعده ويُبنَى على ما قبله ، وذلك قولك : هذا قـائمًا رجلٌ ، وفيها قائمًا رجلٌ ، لمَّا لم يجز أن توصـف الصفة بالاسم ، وقبُح أن تقول : فيها قائمٌ فتضع الصفة موضع الاسـم ، كما قبُح : مررتُ بقائم ، وأتاني قائم ، جعلتَ القائم حالاً وكان المبنيّ على الكلام الأوَّل ما بعده ، ولو حسُـن أن تقول : فيها قائمٌ لجاز : فيها قائمٌ رجلٌ ، لا على الصفة ، ولكنَّه كأنَّه لمَّا قال : فيها قائمٌ قيل له : من هو ؟ وما هو ؟ فقال : رجلٌ ، أو : عبد الله ، وقد يجوز على ضـعفه . وحُمِل هذا النصـب على جواز : فيها رجلٌ قائمًا ، وصـار حين أُخِّر وجهَ الكـلام فرارًا من القبح ” (7) ، ثمَّ قال : ” وهذا كلامٌ أكثر ما يكون في الشعر ، وأقلّ ما يكون في الكلام ” (8) .

وفي نصِّ سيبويه دلالات ، منها :

1- أنَّ حذف الموصوف قبيحٌ عنده .
2- ولأنَّ حذفه قبيحٌ لم يجز تأخيره عن الصفة ؛ لأنَّ تأخيره بمثابة حذفٍ ثمَّ ذكر .
3- أنَّ قبح التقديم وضعفه لم يمنعا من جوازه على إبدال الموصوف من الصفة ،4- وحمله في ذلك لدلالة التشويق .
5- أنَّ كون المقدَّم حالاً ونصبه أولى من بقائه على الصفة وإتباعه .
6- جواز مجيء الحال من النكرة مقدَّمًا عليها .
7- اختصاص مجيء الحال المتقدِّمة من النكرة بالشعر ،8- وقلَّته في الكلام .

وممَّا تقدَّمت فيه الصفة المفردة على النكرة فصارت حالاً قول كثيِّر :
لعزَّة موحشًا طللُ (1)
وقول الشاعر :
وبالـجـسـم مـنِّـي بيِّنًا لـو عـلـمتِه شحوبٌ وإن تستشهدي العينَ تشهدِ (2)
فالأصل : طللٌ موحش ، وشحوبٌ بيِّن .

وممَّا تقدَّمت فيه الصفة الَّتي هي جارٌّ ومجرور قول الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ (3) ، ” وتقديره : يأكلون نارًا كائنةً في بطونهم ، ﻓ( في بطونهم ) صفة ﻠ( نار ) في الأصل ، إلاَّ أنَّه لمَّا قُدِّم عليها انتصب على الحال ” (4) .

ومنه أيضًا قول الـنبيِّ صلى الله عليه وسلم : ” هو لها صـدقة ” (5) ، ففيه ( صدقة ) ” خبر ( هو ) ، و( لها ) صفةٌ قُدِّمت فصارت حالاً ” (6) .

وقد جعل النحاة مجيء الحال من النكرة جائزًا في هذا الموضع ؛ لأنَّ الحال يتقدَّم على صاحبه ، أمَّا الوصف فلا يتقدَّم على الموصوف (1) .

وإنَّما جاز مجيء الحال من النكرة عند تقدُّم الحال على صاحبها في نحو : فيها قائمًا رجلٌ ؛ لأنَّ تقدُّم الحال على صاحبها يؤمن التباسها بالصفة ، فلو تأخَّرت لاشتبهت في حال انتصاب صاحبها بالوصف ، نحو : رأيت رجلاً راكبًا (2) .

ومن النحاة من أجاز مجيء الحال من النكرة بلا مسوِّغ ، روى ذلك سيبويه عن عيسى بن عمر وتلميذه الخليل بن أحمد (3) ، وهو بعد مرويٌّ عن ابن الطراوة (4) ، وقال به أبو حيَّان (5) ، فعلى قولهم يجوز : هذا رجلٌ منطلقًا ، فينتصب على الحال كما ينتصب الحال من المعرفة ، وبذلك يكون المعنى هو المسوِّغ ، وتكون ( راكبًا ) في : رأيت رجلاً راكبًا ، محتملةً لكونها وصفًا ولكونها حالاً .

وقول النحاة بتحوُّل الصفة المتقدِّمة على الموصوف إلى حال يبدو مرتبطًا بالصنعة النحويَّة ولا علاقة له بالمعنى من قريب ولا من بعيد ، ومع أنَّه يحمي من التباس الحال بالصفة في مثل : رأيت رجلاً راكبًا ، إلاَّ أنَّه يوقع في لبسٍ آخر ، فحين نريد في جملة مثل ( أقبل طالبٌ مستهترٌ ) أن نبرز صفة الاستهتار فنقول : ( أقبل مستهترٌ طالبٌ ) ، يُلزمنا النحاة أن نقول : ( أقبل مستهترًا طالبٌ ) ، وشتَّان بين التعبيرين ؛ لأنَّ ( مستهترٌ ) في الأولى على الإتباع صفة ثابتة تقدَّمت على موصوفها للعناية بذكرها ولبيان أنَّ كونه مستهترًا أبرز من كونه طالبًا ، أمَّا في الجملة الثانية فهي بالنصـب وصفٌ للطالب بالاسـتهتار في حال إقباله وحسب ، لا أنَّ الاستهتار صفةٌ لازمةٌ له (6) .

إنَّ قول النحاة بأنَّ ” الحال صفةٌ في المعنى ” (1) لا يسوِّغ الخلط بينهما ؛ إذ بينهما من الاختلاف شيءٌ كثير ، فالصفة تتبع الموصـوف في إعرابه ، وتكون لازمةً له على كلِّ وجه ، فهي بذلك أدنى إلى الثبوت واللزوم ، أمَّا الحال فتخالف صاحب الحال في إعرابه ، وهي وصفٌ غير ثابت له ، بل يحدث في وقتٍ ويبطل في غيره ، أي أنَّها مقيَّدة ومتغيِّرة (2) ، ونحن في تفريقنا بين أساليب أربعة هي :
1- أقبل رجلٌ ضاحكًا .
2- أقبل ضاحكًا رجلٌ .
3- أقبل رجلٌ ضاحكٌ .
4- أقبل ضاحكٌ رجلٌ .
نرى أنَّ ( ضاحكًا ) في الأسلوبين الأوَّلَيْن وقعت حالاً ، إلاَّ أنَّ كون المقبل رجلاً في الأسلوب الأوَّل أهمُّ من كونه ضاحكًا ، في حين كونه ضاحكًا في الأسلوب الثاني أهمُّ من كونه رجلاً .
وفي الأسلوبين الآخرَيْن وقعت ( ضاحك ) وصفًا ، والموصـوف في أوَّلهما ( رجل ) أهمُّ من الوصف ، أمَّا في الأخير فالوصف ( ضاحك ) أهمّ ، وفيه نوع من التشويق كما سبق ودلَّ عليه كلام سيبويه المذكور آنفًا .

إنَّ كلام سيبويه يجعلنا لا نرى بأسًا بتقديم الصفة على الموصوف مع بقاء اعتبارها صفة ، وإن كان فيه ضعف ، فهو يوصـل إلى دلالات تجعل التركيب مختلفًا عن التركيب الأصليّ ، ومختلفًا عن ما جاء فيه الحـال المتقدِّم من النكرة ، ويبقى الضابط لذلك هو الاعتماد على قرائن السياق الَّتي تكشف عن المعنى في غالب الأحوال ، ولا تحتاج إلى الالتفاف على اللغة والخلط بين أجزائها ، فالحال حال ، والصفة صفة ، وليس من روح اللغة في شيء وضع أحدهما موضع الآخر .

والله الموفق… د. صالح الشاعر

ظاهرة التقديم والتأخير في النحو العربي

15 يوليو 2010

من بحثي في رسالة الماجستير

مفهوم التقديم والتأخير :

يراد بالتقديم والتأخير أن تخالف عناصر التركيب ترتيبها الأصليّ في السياق فيتقدَّم ما الأصل فيه أن يتأخَّر ويتأخَّر ما الأصل فيه أن يتقدَّم .

أسباب التقديم والتأخير

والحاكم للترتيب الأصليّ بين عنصرين يختلف إذا كان الترتيب لازمًا أو غير لازم ، فهو في الترتيب اللازم ( الرتبة المحفوظة ) حاكمٌ صناعيٌّ نحويّ ، أمَّا في غير اللازم ( الرتبة غير المحفوظة ) فيكاد يكون شيئًا غير محدَّد ، ولكن توجد بعض الأسباب العامَّة الَّتي قد تفسِّر الترتيب الأصليّ – بنوعيه - بين عنصرين ، وهي مختلفة في اعتباراتها ، فمنها ما اعتباره معنويّ ، ومنها ما اعتباره لفظيّ ،  أو منطقيّ ، أو صناعيّ ، ومن أهمّ هذه الأسباب :

1- أن تكون العلاقة بين العنصرين علاقة المحكوم عليه بالحكم ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم المحكوم عليه ويتأخَّر الحكم ، كتقدُّم المبتدإ على الخبر .

2- أن تكون العلاقة بينهما علاقة العامل بالمعمول ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم العامل ويتأخَّر المعمول ، كتقدُّم الفعل على المفعول .

3- أن تكون العلاقة بينهما علاقة المقدِّمة بالنتيجة ، فمقتضى الأصل أن تتقدَّم المقدِّمة وتتأخَّر النتيجة ، كتقدُّم فعل الشرط على جواب الشرط .

4- أن تكون العلاقة بينهما علاقة الكلِّ بالجزء المقتطَع منه ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم الكلُّ ويتأخَّر الجزء ، كتقدُّم المُستثنى منه على المُستثنى .

5- أن يكون تقدُّم عنصرٍ ضروريًّا لحفظ تقسـيمٍ معلوم من اللغة بالضرورة ، كتقدُّم الفعل على الفاعل ؛ لما عُلم من وجود جملة فعليَّة تقف جنبًا إلى جنب مع الجملة الاسميَّة مكوِّنةً معها أساسًا ثنائيًّا لورود الجمل .

وللتقديم والتأخير علَّة هي الرتبة ، فالرتبة مبدأٌ نحـويٌّ لولاه لم يكن ثَمَّ تقديمٌ  ولا تأخير ، فما الرتبة ؟ وما أنواعها ؟

الرتبة قرينةٌ نحويَّةٌ من قرائن المعنى ، يمكن تعريفها بأنَّها جزءٌ من النظام النحويِّ ” يحدِّد موقع الكلمة من بناء الجملة ”  ويفرض لكلمتين بينهما ارتباط أن تأتي إحداهما أوَّلاً والأخرى ثانيًا ، ويمتنع العكس إذا كانت الرتبة محفوظة ، أمَّا إذا كانت الرتبة غير محفوظة فيجوز أن تتقدَّم إحدى الكلمتين في تعبيرٍ وتتأخَّر في تعبيرٍ آخر من غير اتِّصاف أحد التعبيرين بالخطأ النحويِّ .

وهناك تجاذبٌ بين الرتبة والإعراب ، فالرتبة في اللغات غير الإعرابيَّة تُحدِّد الوظيفة التركيبيَّة لأجزاء الجملة ، أمَّا في اللغات الإعرابيَّة فتظهر مرونة الرتبة وإتاحتها حرِّيَّة الحركة لتلك الأجـزاء ؛بسـبب تكفُّل الإعـراب بتحديد الوظيفة التركيبيَّة لها ، فإذا خفي الإعراب انتفى ذلك ووجب الالتزام بالرتبة .

والفرق بين الرتبة المحفوظة وغير المحفوظة أنَّ الترتيب السياقيَّ للكلمات في حالة الرتبة المحفوظة يُراعى في نظام اللغة وفي الاستعمال ، ولا يقع خلافه إلاَّ موصوفًا بالخطأ النحويِّ ، أمَّا في حالة الرتبة غير المحفوظة فترتيب الكلمات في السياق أصلٌ افتراضيٌّ اتَّخذه النظام النحويُّ ، وقد يُحتِّم الاستعمال – حسب المقام والغرض – خلافه بتقديم المتأخِّر .

ويُوصَف العنصر المتقدِّم في الرتبة المحفوظة بأنَّه متقدِّم وجوبًا - ومن ذلك تقدُّم الموصـول على الصلة ، والموصـوف على الصـفة ، وحرف الجرِّ على المجرور ، وغيرها– أمَّا في الرتبة غير المحفوظـة – كالَّتي بين المبتدإ والخبر ، والفاعل والمفعـول به ، والضمير والمرجع ، وغير ذلك – فالتقديم والتأخير اختيارٌ أسـلوبيٌّ جائزٌ للمتكلِّم بحسـب ما يعبِّر عن غرضه ويُفهِم معناه المقصود .

وقد يُلغى هذا الاخـتيار وتُحـفَظ الرتبة ؛ إمَّا لاتِّقاء لبس ، كما في ( ضرب موسى عيسى ) ، أو لاتِّقاء مخالفة القاعدة ، كما في ( رأيتُكَ ) ، فانتقال الرتبة من دائرة الرتبة غير المحفوظة إلى دائرة الرتبة المحفوظة أمرٌ وارد .

والفرق بين الرتبة المحفوظة والرتبة غير المحفوظة هو عينه الفرق بين الواجب والجائز في النحو ؛ فالتقديم في الرتبة المحفوظة حكمٌ تركيبيٌّ نحويٌّ صِرف لا مجال فيه لاختيار المتكلِّم ، فهو إمَّا جارٍ على القاعدة بحفظها ، أو مخالفٌ للقاعدة مخلٌّ بسلامة التركيب بإهماله لها ، أمَّا الرتبة غير المحفوظة فالتقديم فيها أمرٌ اختياريٌّ يمكِّن من التصرُّف في العبارة ؛ لأنَّه يصبح وسيلة أسلوبيَّة تُستجلب بها المعاني وتُقلَّب العبارة لتناسب مقتضى الحال ، ولهذا دار البحث البلاغيُّ في علم المعاني حول الرتبة غير المحفوظة .

مخالفة الأصل فيهما :

ينطلق الحـديث عن التقـديم والتأخير من منطلـق الرتبة الَّتي منها – كما    أسلفت – رتبة محفوظة لا تُخالَف إلاَّ خطأً وانحرافًا عن النظام السياقيِّ ، ورتبة غير محفوظة قد تُراعَى وقد لا تُراعَى .

والترتيب الَّذي جعله النظام النحويُّ أصلاً في الرتبة غير المحفوظة لا يُسأل عن علَّته في غالب الأحيان ، وإنَّما يُسأل عمَّا جاء على خلافه : لمَ خالف ؟ وما الغاية من الخلاف ؟

فالتقديم والتأخير نوعٌ من التصرُّف في التركيب والعدول عن أصل ترتيب عناصره لغاية بيانيَّة معنويَّة ، وهذا التصرُّف لا يكون اعتباطًا لغير علَّة وإلاَّ كان جورًا على التركيب ومعناه وإفسادًا للكلام بأسره .

حاصل القول في ظاهرة التقديم والتأخير ( الجائز ) أنَّها تفتقر إلى أمور :

الأوَّل : تحديد الأصل في ترتيب عناصر التركيب .

الثاني : تحديد العدول عن الأصل في هذا الترتيب .

الآخر : البحث عن علَّة هذا العدول وتأثيره في المعنى والدلالة .

أغراض التقديم :

للتقديم أغراض متعدِّدة متنوِّعة ، يتعيَّن أحدها بحسب العنصر المقدَّم ، وبحسب المقامات والأحوال ، إلاَّ أنَّ الغرض الأوَّل من تقديم عنصرٍ ما هو كون ذكره أهمّ من ذكر باقي أجزاء الكلام ، والعناية به أكثر من العناية بذكر غيره ، وهو ما عبَّر عنه سيبويه بقوله في الفاعل والمفعول : ” … يقدِّمون الَّذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى ، وإن كانا جميعًا يُهِمَّانهم ويعنيانهم ” ، وجعله الإمام عبد القاهر قاعدةً للتقديم بقوله : ” … لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئًا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام ” ، إلاَّ أنَّه أكَّد أنَّ الاقتصار على العناية والاهتمام لا يكفي لبيان سبب تقديم لفظٍ ما ، بل يجب أن يُفسَّر وجه العناية فيه وسبب أهمِّيَّته الَّتي جعلته يتقدَّم في حين تأخَّر غيره .

وما دام القول بالعناية وحدها لا يكفي فقد ذكر العلماء من الأغراض ما يُعدُّ وجوهًا لهذه العناية ؛ ففيها تفسيرٌ لها وتعليل ، وليس فيها حجرٌ على غيرها من الأغراض ؛ فلكلِّ سياقٍ خواصُّه ، ولكلِّ تقديمٍ أسراره .

وممَّا ذكروه من أغراض تقديم الخبر المفرد على المبتدإ :

1- التخصيص ، كأن يقول أحد : زيد إمَّا قائم أو قاعد ، ” فيردِّده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما ” ، فالردُّ عليه يكون بتقديم الخبر لتخصيص المبتدإ به ، فيقال : قائمٌ هو

2- الافتخار ، نحو : ” تميميٌّ أنا ” ، فتقديم الخبر هنا ” يُفهَم منه معنى لا يُفهَم بتأخيره ” ، وهو الافتخار – أو غيره كالتخصيص في مقام آخر – فيجب التقديم مراعاةً للمعنى والغرض .

3- التفاؤل أو التشاؤم ، مثل : ناجحٌ زيدٌ ، ومقتولٌ إبراهيم .

ومن أغراض تقديم الخبر الظرف والجارّ والمجرور :

1- الاختصاص ، نحو قول الله تعالى : ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَـهُ الْحَمْدُ ﴾  ، فالغرض من التقديم هنا بيان ” اختصاص الملك والحمد بالله عزَّ وجلَّ ”  لا بغيره .

ويجب التنبيه هنا إلى أنَّ التقديم للاختصاص ليس مقصورًا على كون المقدَّم ظرفًا والمؤخَّر مبتدأ ؛ فقد ” كاد أهل البيان يُطبقون على أنَّ تقديم المعمول يفيد الحصر ، سـواء كان مفعـولاً أو ظرفًا أو مجرورًا ، ولهذا قيل في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾  : معناه : نخصُّك بالعبادة والاستعانة ” .

2- التنبيه من أوَّل الأمر على أنَّ الظرف خبرٌ لا نعت ، كما في قول الشاعر :

له هـممٌ لا منتهى لكبارها     وهمَّته الصغرى أجلُّ من الدهر

فإنَّه ” لو أخَّر فقال : هممٌ له ، لتُوُهِّم أنَّه صفة ” ، فقدَّم الخبر للتنبيه وإزالة الوهم .

ولتقديم المبتدإ على الفعل أغراض كثيرة ، منها :

1- التخصيص بالخبر الفعليِّ ، نحو : أنا سعيتُ في حاجتك ؛ لإفادة الانفراد بالسعي وعدم الشركة فيه .

2- تحقيق الأمر وإزالة الشكِّ ، نحو : هو يعطي الجزيل ، فليس الغرض هنا ادِّعاء اختصـاصه بذلك دون غيره ، وإنَّما الغرض تأكيد المعنى في نفس السامع .

3- تعجيل مسـرَّة السامع أو مسـاءته ، نحو : خليلك عاد من السفر ، ونحو : الكئيب يزورك اليوم .

وغير ذلك من الأغراض ممَّا سيأتي مفصَّلاً في موضعه .

قيمة التقديم والتأخير :

ظاهرة التقديم والتأخير – شـأن الظواهر السـياقيَّة الأخرى كالحذف والزيادة وغيرها – مظهرٌ من مظاهر شجاعة العربيَّة ؛ ففيها إقدام على مخالفة لقرينة من قرائن المعنى من غير خشـية لبس ، اعتمادًا على قرائن أخرى ، ووصولاً بالعبارة إلى دلالاتٍ وفوائد تجعلها عبارةً راقيةً ذات رونقٍ وجمال .

والقيمة البيانيَّة للتقديم والتأخير مرتبطةٌ بالجائز منه ، ومرهونةٌ بحسن استعماله على وفق مقتضى الحال ، والوعي باستعماله في موضعه ، وإلاَّ كان عبثًا لا قيمة له ولا فائدة بل ربَّما يؤدِّي إلى إفساد المعنى .

والأغراض الَّتي تتفتَّق عنها ظاهـرة التقديم تبيِّن ثراءها وكثرة فوائـدها ، وكونها منبعًا ثرًّا لرقيِّ الأساليب وارتفاعها في البيان .

فلا عجب حين نرى احتفاء الإمام عبد القاهر الجرجاني بهذه الظاهرة في قوله عن بابها : ” هو بابٌ كثير الفوائد ، جمُّ المحاسن ، واسع التصرُّف ، بعيد الغاية ، لا يزال يفترُّ لك عن بديعة ، ويفضي بك إلى لطيفة ، ولا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعُه ، ويَلطُف لديك موقعُه ، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قُدِّم فيه شيءٌ وحُوِّل اللفظ عن مكان إلى مكان ” .

والله الموفق… د. صالح الشاعر

ظاهرة الفصل والاعتراض في النحو العربي

15 يوليو 2010

من بحثي في رسالة الماجستير

يهتمُّ هذا البحث بالتراكيب الَّتي ترد في السـياق فتقطع الاتِّصال والتجاور بين عنصـرين من عناصره قبل تمام الفائدة على خلاف الأصـل ، وهذه التراكيب تكون دون الجملة فيُسـمَّى ورودها ( الفصل ) ، وتكون جملة فيُسـمَّى ورودها ( الاعتراض ) .

مفهوم الفصل :

يُراد بالفصل أن يأتي عنصر دون الجملة – أي غير مستقلٍّ بالإفادة – لا ينتمي إلى السياق الأصليِّ للتركيب ، فيقع فيه بين عنصرين متلازمين – بجامع الصـلة ، أو الإسناد ، أو المجازاة ، أو نحو ذلك  – مخالفًا بذلك مطلب التضامّ .

ويتنوَّع عنصـر الفصل إلى أنواع ، أشهرها : القَسَـم ، والظرف ، والجارُّ والمجرور ، والنداء ( وإن لم يعتدّ به ابن جنِّي فاصلاً ؛ لكثرته في الكلام )  .

والعنصران اللذان يقع الفصل بينهما قد يكونان اسمين ( كالفاعل والمفعول ) ، أو فعل ومطلوبه ( كالفعل والفاعل ) ، أو حـرف وما دخل عليه ( كحرف العطف والمعطوف ) ، ولهذا التنوُّع تفرَّق حديث النحاة عن ظاهرة الفصل في أبواب النحو بحسب هذه العناصر .

والفصل من حيث هو مصطلح نحويٌّ يختلف عن الفصل البلاغيّ الَّذي يتحقَّق بعدم اسـتعمال حرف العطف ، والَّذي يقابلون بينه وبين الوصل بعطف الجمل بعضها على بعض .

مفهوم الاعتراض :

الاعتراض كالفصل ، إلاَّ أنَّ الفاصل فيه يكون جملةً مسـتقلَّة بالإفادة ، سواء كانت خبريَّة أو إنشـائيَّة ، ولا يكون لها محلٌّ من الإعراب ، لكنَّها لا تنفكُّ عن الجملة الأصليَّة الَّتي دخلها الاعتراض ، ولا تزول عنها من حيث معناها .

ويمكن تعريف الاعـتراض بأنَّه : اعتراض مجرى النمط التركـيبيّ للجـملة بتركيبٍ مستقلٍّ يَحُول دون اتِّصال عناصر الجملة بعضها ببعض اتِّصالاً تتحقَّق به مطالبُ التضامِّ النحويِّ فيما بينها .

وحاصل الاعتراض أنَّه جملةٌ لا محلَّ لها من الإعراب ” تتوسَّـط بين أجزاء جملة مستقلَّة أخرى ” .

وتقع الجملة المعترضة في عدَّة مواضع أحصى منها ابن هشام سبعة عشر موضعًا  ، كالمعترضة بين الفعل ومرفوعه ، وبين المبتدإ وخبره ، وبين ما أصله المبتدأ والخبر ، وبين الشـرط وجوابه ، وبين القسَـم وجوابه ، وبين الموصول  وصلته ….

قواعد الفصل :

للفصـل قواعد وأحكـام منثورة في كتب النحو ، لكنَّ كلاًّ منها مخصـوص بموضعه ، فلا يوجد من القواعد العامَّة لهذه الظاهرة سوى النزر اليسير ، كقول ابن جنِّي : ” وعلى الجملة فكلَّما ازداد الجزءان اتِّصـالاً قَوِيَ قُبْحُ الفصل بينهما ” ، وقول العكبَريّ : ” الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبيّ لا يجوز ” ، أمَّا ما عدا ذلك فهي أحكام خاصَّـة بمواضعها من أبواب النحو الَّتي يقع فيها الفصل ، كباب الإضـافة ، وباب النعت ، وباب العطف ، وغيرها ، وهي أحكام تبيِّن ما يجـوز الفصل به في موضعٍ ما وما لا يجوز من ذلك ، والقاعدة الأسـاسيَّة في ذلك اتِّصال الفاصل بمعنى الجملة بألاَّ يكون أجنبيًّا .

قواعد الاعتراض :

قد ذكر النحاة من قواعد الاعتراض وشـروطه ثلاثة أمور ، فاشترطوا في  الجملة المعترضة :

1-أن تكون مناسـبةً للجملة الَّتي دخلها الاعتراض ، بحيث تكون كالتأكيد أو التنبيه على حالٍ من أحوالها ، وهذا مؤدَّاه أن تكون متَّصلةً بها في المعنى ، وقد ذكر ابن هشام أنَّ الجملة المعترضة تفيد الكلام ” تقويةً وتسديدًا أو تحسينًا ” ، فاتِّصالها بمعنى الكلام يزيد فيه ويحسِّـنه ، وإذا لم يُراع هذا الاتِّصـال فسـد   المعنى ، وهذا ما لاحظه ابن الأثير حين جعل الاعتراض على قسمين : أحدهما لا يأتي في الكـلام إلاَّ لفائدة فيجري مجرى التوكـيد ، والآخر يأتي لغير فائدة فيكون دخوله كخروجه أو يؤثِّر في تأليفه نقصًا وفي معناه فسادًا .

2-أن لا تكون معمولةً لشـيءٍ من أجزاء الجملة الَّتي دخلها الاعـتراض ؛ لأنَّ     ” الاعتراض لا موضع له من الإعراب ، ولا يعمل فيه شـيءٌ من الكلام المعترَض به بين بعضـه وبعض ” ، ولهذا يصحُّ سقوط الجملة الاعتراضيَّة ولا يؤدِّي سقوطها إلى اختلاف في التركيب ولا في أصل المعنى .

3- أن يكون الفصل بها بين الأجزاء المنفصلة بذاتها ، ويظهر معنى هذا الشرط بالنظر إلى بعض الحروف الَّتي تتَّصل بما تدخل عليه فيكونان كالكلمة الواحدة ، كما في أل التعريف ، وسـين التنفيس ، وبعض حروف الجـرِّ كالباء واللام ، فالاعتراض بينها وبين مدخولها لا يصحُّ ولا يستقيم .

قيمة الفصل والاعتراض :

يبدو في ظاهرتي الفصل والاعتراض شـيءٌ من الغربة ؛ ففيهما خروج على النظام الأصـليِّ للتضامِّ بين أجزاء الجملة أو التركيب ، وهذا الخروج لا بدَّ له من علَّة ؛ لأنَّ سير السياق النحويِّ للكلام بالترتيب الَّذي يوصل إلى تأدية معناه من غير معوِّقات أمرٌ مهمٌّ في البيان ، وليس بالشـيء الهيِّن الَّذي تُستباح مخالفته ما لم تكن فائدةٌ تُجتنى من وراء المخالفة .

ويبدو في الفصل والاعتراض شَـبَهٌ بالتقديم ، وابن عصـفور يعدُّ الفصل من التقديم صراحة ، يقول : ” وأمَّا تقديم بعض الكلام على بعض فمنه : الفصل بين المضاف والمضاف إليه ” ، ويجعله ابن جنِّي من الحمل على المعنى ، إلاَّ أنَّه يصله بالتقديم والتأخير لما يبدو في ظاهره منه ؛ إذ ” يمكن وصـف معظم صور الفصل بأنَّها من قبيل التقديم والتأخير للمعمولات ” ، لكنَّه تقديمٌ من نوعٍ آخر ؛ فهو يخضع بالدرجة الأولى لذوق المتكلِّم الَّذي يرى في تعجيل ورود تركيبٍ ما ضرورةً مُلِحَّة ، فيأتي به قبل تمام فائدة الكلام الأوَّل .

والفرق الواضح بين الفصـل والتقديم أنَّ التقـديم مرتبطٌ بمبدإ الرتبة ، حيث يكون لكلٍّ من المقدَّم والمؤخَّر فيه رتبة ، محفوظةً كانت أو غير محفوظة ، في حين يرتبط الفصل بما هو حُرُّ الرتبة ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

الفصل بالظرف وبالجارِّ والمجرور ، اللذَيْن يُتوسَّع فيهما ما لا يُتوسَّع في غيرهما ، ويكفل النظام النحويُّ لهما حرِّيَّة الحركة بالتقديم والتأخير .

وما من شكٍّ في أنَّ التركيب الوارد فاصلاً أو معترِضًا يكون غريبًا وقلِقًا في موضعه من الكـلام ، ولعلَّ هذا ما يجعله بارزًا واضـحًا ، ” يثير الانتباه ، ويلفت التفكـير ” ، فتظهر قـيمته البيانيَّة والمعنويَّة الَّتي عبَّر عنها ابن جـنِّي في باب الاعتراض حيث قال : ” والاعتراض في شـعر العرب ومنثورها كـثيرٌ وحسَن ، ودالٌّ على فصاحة المتكلِّم وقوَّة نفْسه وامتداد نفَسـه … ” ، وقد أكَّد على كثرته وجريانه مجرى التأكيد  بقوله : ” اعلم أنَّ هذا القبيل من هذا العلم كثير ، قد جاء في القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام ، وهو جارٍ عند العرب مجرى التأكيد ”  .

وإنَّما كـان الاعتراض جاريًا مجرى التأكـيد لأنَّه في معناه ، فهو كـالتنبيه القويِّ  للسـامع إلى شيءٍ يريده المتكلِّم ، كدعاءٍ ، أو قسَـمٍ ، أو قيدٍ بشرطٍ ، أو نفيٍ ، أو وعـدٍ ، أو أمرٍ ، أو نهيٍ ، أو غير ذلك ، فشـأنه في ذلك شـأن التقديم للأهمِّيَّة .

والله الموفق… د. صالح الشاعر

ظاهرة الزيادة في النحو العربي

15 يوليو 2010

من عملي في رسالة الماجستير

الزيادة المقصودة بالدراسة هاهنا هي الزيادة في السياق النحويِّ وما ينتج عنها من معانٍ ودلالات ، وليس المقصود الزيادة بالمعنى الصرفيِّ الَّتي تجتمع حروفها في قولهم : ( سألتمونيها ) .

حقيقة الزيادة :

المراد بكون عنصر من عناصر التركيب زائدًا أنَّه لم يُؤتَ به قصدًا إلى معنىً في ذاته ، بل ليُتَوصَّل به إلى زيادة المعنى الكائن قبل وجوده ، ” فهو زائد على مطالب الصحَّة والإفادة ” ؛ أي أنَّهما لا يتوقّفان على وجوده ، وحاصل وصفه بالزيـادة أنَّه زائدٌ على الأصـل ” في تأدية العبارة لمثـل المعنى الَّذي أُريدَ لها أن  تؤدِّيه ” .

ويبدو سبب وصف عنصرٍ بأنَّه زائد أنَّ الأصل في أجزاء الكلام أن يكون لها تأثيران : أحدهما في المعنى والآخر في الإعراب ، فإذا فقدت أحدهما كانت زائدة .

وبسبب زيادة المعنى وتوكيده بها سُمِّيت ( حروف الزيادة ) ، ومن إيصالها لزيادة المعنى بفوائده سُمِّيتْ ( حروف الصلة ) .

قيمة الزيادة :

ليست الزيادة عبثًا ، وليست نافلةً من القول ولا خلوًا من الفائدة ، فلو كانت كـذلك لما وقعت في القـرآن الكـريم – كـتاب الله المُعجِز – وفي كـلام الأنبياء والفصحاء ، فهي تُفيد المعنى بلا شكٍّ ، لكنَّها فائدة عارضة ، لا تغيِّر أصل المعنى الحاصل قبلها ، بل تُضيف إليه .

فائدة الزيادة :

الفائدة الَّتي تضيفها حروف الزيادة على نوعين :

فائدة معنويَّة : هي تأكيد المعنى وتقويته .

وفائدة لفظيَّة : يدخل فيها تزيين اللفظ ، وكون زيادتها أفصح في بعض الأساليب ، أو تهيئتها الكلامَ لاستقامة وزن الشعر أو تحسين السجع ، أو غير ذلك ، وقد تجتمع الفائدتان ( اللفظيَّة والمعنويَّة )، بل الأصل أن يجتمعا ، فالفوائد المُدرَجة في باب الفوائد اللفظيَّة لا تخلو من فوائد معنويَّة تُضمُّ إليها ؛ إذ الألفاظ أدلَّة المعاني ، فما زيد فيها زاد به معناها ، ولا يصحُّ في كلام شريف وجود تركيب لا غرض منه سوى تزيين اللفظ مثلاً .

ويُضيف السـياقُ الَّذي تقع فيه الـزيادة فوائدَ معنويَّة أخرى سـوى التأكيد والتقوية تُسـتخرَج بالنظر في الزائد والسـياق والعلاقة بينهما ، فالاقتصار على التأكيد والتقوية حجر وتضييق ، ولكلِّ حرفٍ من حروف الزيادة فوائد خاصَّةٌ تُذكَر في مواضعها .


والله الموفق… د. صالح الشاعر

ظاهرة الحذف في النحو العربي

15 يوليو 2010

من عملي في رسالة الماجستير


حقيقة الحذف :

من المهمِّ قبل الخوض في بيان أحكام الحذف ومسائله أن أبدأ ببيان حقيقته ؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره .

وقد رجعت إلى مظانِّ الحذف في قدر لا بأس به من كتب أصول النحو وفروعه ، فلم أجد في ما رجعت إليه بيانًا لحقيقة الحذف أو تعريفًا له ، فرجعت إلى معجم مصطلحات النحو والصرف والعروض فوجدت هذا التعريف :

الحذف : ” يُراد به في النحو إسقاط كلمة من بناء الجملة ، وقد تكون هذه الكلمة ركنًا من أركانها كالمبتدإ أو الخبر أو الفعل أو الفاعل ، وقد تكون حرفًا ، وقد تُحذف الجملة … ” ، وهذا لا يعدو كونه تعدادًا لأنواع من الحذف ، ولا يصحُّ أن يكون حدًّا مبيِّنًا للحذف النحويِّ ، فهو أشبه بتعريف للحذف الصرفيٍّ ؛ إذ يصدق أن نقول : الحذف في الصرف : إسقاط حرف من بناء الكلمة .

واطَّلعت على رسـالة علميَّة من البحوث الرائدة في الموضوع –  وهي رسالة ( الحذف والتقدير في النحو العربي ) لعلي أبي المكارم ، فوجدت تعريف الحـذف فيها على النحو التالي :

إسقاط لصيغ داخل النصِّ التركيبيِّ في بعض المواقف اللغويَّة ، وهذه الصيغ يُفترَض وجودها نحويًّا لسلامة التركيب وتطبيقًا للقواعد ، ثمَّ هي موجودة – أو يمكن أن توجد – في مواقف لغويَّة مختلفة .

وهو اجتهاد مشكور من الباحث ، ولكنَّ أبرز ما يمكن أن يؤخذ على التعريف قوله : ( وهذه الصيغ يُفترَض وجودها نحويًّا لسـلامة التركيب وتطبيقًا للقواعد ) ؛ لأنَّ هذا لا يصدق على أيٍّ من نوعي الحذف :

-  ففي الحذف الواجب لا يُفترض وجود المحذوف لسلامة التركيب وانضباط القواعد ، بل يكون ذكره خطأً مخلاًّ بسلامة التركيب وخارقًا للقواعد .

- وفي الحذف الجائز لم يدلّ على المحذوف أنَّ غيابه أخلَّ بسلامة التركيب       أو كسر القواعد - فبدهيٌّ أنَّ المحذوف جوازًا يجوز حذفه وذكره من غير أن يوصـف التركيب بالغلط النحويِّ - وإنَّما دلَّ عليه أنَّه ذُكر في استعمال آخر ولغرض آخر ؛ فاللغة استعمال قبل أن تكون قواعد .

وإذا كان لي أن أُدلي بدلوي لأقدِّم تعريفًا نحويًّا للحذف فقد راجعت أحوال الحذف وأحكامه وخرجت منها بهذا التعريف :

الحذف الجائز : تعمُّد إسقاط عنصر ( إسناديٍّ أو غيره ) من عناصر بناء النصِّ ؛ لغرض ، مع سـماح النظام النحويِّ بذكره ، ومع دلالة باقي عناصر النصِّ عليه ، وإمكان ذكر هذا العنصر في مقام آخر ولغرض آخر .

الحذف الواجب : إسقاط عنصرٍ إسـناديٍّ من نصٍّ لا يسـمح النظام النحويُّ بذكره فيه ، مع دلالة الأصل التركيبيِّ للنصِّ عليه ، وامتناع ذكره في كلِّ الأحوال .

قيمة الحذف ومزاياه :

يرتبط الحذف ارتباطًا وثيقًا بمعنى القول ودلالته وقدرته على التأثير ؛ فهو وسـيلة للإيجاز الَّذي هو أحد مقاصـد العربيَّة ، والحذف في مقامه يهذِّب الجمل ، ويزيد نصيبها من البلاغة والرونق ، ويقوِّي قدرتها على إيصال المعنى المراد .

تحت عنوان ( القول في الحذف ) يقول الإمام عبد القـاهر : ” هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسـحر ، فإنَّك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق ، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِنْ .

ويذكرعلماء البلاغة للحذف ثلاث مزايا ، هي :

1-    إيجاز العبارة .

2- زيادة رونقها وصـيانتها من الثقل والترهُّل الَّذين يحدثهما ذكرُ المعلوم للقرينة .

3- بناؤها على إثارة فكر المتلقِّي وخياله في الاستدلال على جزء المعنى الَّذي لم يُذكر اللفظ الدالُّ عليه .

هذا ما يُذكر مَزِيَّةً عامَّةً للحذف ، ويبقى وراء كلِّ تعبير سرٌّ خاصٌّ به قائم على اختلاف المقامات والأحوال والأغراض .

أغراض  الحذف وأدلته :

إذا نظرنا في كتاب سـيبويه وجدناه ينصُّ في مواضع كثيرة على ضرورة الحذف لأسباب أدخلها البحث الحديث في فنِّ البلاغة ، كالتخفيف والإيجاز والسعة ، ويبيِّن أنَّ العرب قد جرت عادتها على الحذف ، وحبَّذتْه في غير موضع .

يقول سيبويه : ” واعلم أنَّهم ممَّا يحذفون الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك ، ويحذفون ويعوِّضون ، ويستغنون بالشيء عن الشيء الَّذي أصله في كلامهم أن يُستعمل حتى يصير ساقطًا … ” ، ويقول : ” وما حُذِف في الكلام لكثرة استعمالهم كثير ” .

ويقول كمال الدين الأنباري : ” والحذف في كلامهم لدلالة الحال وكثرة الاستعمال أكثر من أن يُحصَى ” .

وقد تطرَّق النحاة في تصانيفهم إلى ذكر أغراض الحذف ، لكنَّها أغراض خاصَّة بالمحذوف ، ولذلك فهي متفرِّقة في أبواب النحو بحسب المحذوفات .

شروط  الحذف :

يذكر علماء البلاغة أنَّ ” الحذف يفتقر إلى أمرين :

أحدهما : قابليَّة المقام ، وهو أن يكون السامع عارفًا به لوجود القرائن .

والثاني : الداعي الموجب لرجحان الحذف على الذكر ” .

وقد اهتمَّ النحاة وعلماء البلاغة بدراسة دواعي الحذف واستنباط القرائن الدالَّة على المحذوف ، وقد أجمل ابن هشام الشروط الَّتي لا يجوز الحذف بغيرها فذكر ثمانية شروط :

الشرط الأول : وجود دليل للحذف ، ويُفتقَرُ إلى هذا الدليل إذا كان المحذوف :

·       جملة بأسرها ، كقولك : زيدًا ، لمن سأل : مَن أضرب ؟

·  أو أحد ركنيها ، كما في قوله تعالى : ﴿ قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ، أي سلامٌ عليكم أنتم قومٌ منكرون ، فحذف خبر الأولى ومبتدأ الثانية .

·       أو لفظًا يفيد معنىً فيها هي مبنيَّة عليه ، كما في قوله تعالى :

﴿ تَالله تَفْتَأُ ﴾ ، أي : لا تفتأ .

أمَّا إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجدان الدليل ، ولكن يُشترط أن لا يضرَّ حذفه بالمعنى ولا بالصناعة النحويَّة .

ويتنوَّع دليل الحذف إلى نوعين :

1- دليل غير صناعي : وهو إما حالي ، كقولك لمن رفع سوطًا : زيدًا ، بإضمار ( اضرِب ) ، أو مقالي ، كما في قوله تعالى : ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً ﴾ ، أي : أنزل خيرًا . ّّ ّ وَقِيلَ َ

ويُشترط للدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف . ِّ

2- دليل صناعيّ : وهذا لا يُعرف إلا من جهة صناعة النحو ، كما في قراءة من قرأ : ﴿ لأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ، فقد قالوا : إنَّ التقدير : لأنا أقسم ؛ لأنَّ فعل الحال لا يقع جوابًا للقسم عند البصريِّين .

الشرط الثاني : ألاَّ يكون ما يحذف كالجزء ، فلا يُحذف الفاعل ولا نائبه ولا مشـبهه

( اسم كان أو إحدى أخواتها ) .

الشرط الثالث : ألاَّ يكون مؤكَّدًا ، فلا يصحّ : الَّذي رأيت نفسه زيد ؛ لما يُوقع فيه ذلك من التناقض ، فالتوكيد إسهاب والحذف إيجاز ، ولا يجتمعان .

الشرط الرابع : ألاَّ يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر ، فلا يحذف اسم الفعل دون معموله ؛ لأنَّه اختصار للفعل .

الشرط الخامس : ألاَّ يكون المحذوف عاملاً ضعيفًا ، فلا يحذف الجارُّ والجازم والناصب للفعل إلا في مواضع قويت فيها الدلالة على المحذوف وكثر فيها الاستعمال ، ولا يُقاس عليها .

الشرط السادس : ألاَّ يكون المحذوف عوضًا عن شيء .

الشرط السابع : ألاَّ يؤدِّي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه .

الشرط الأخير : ألاَّ يؤدِّي الحذف إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القويّ .

ويُعتبر دستورًا للدراسة النحويَّة للحذف قول ابن هشام : ” الحذف الَّذي يلزم النحويَّ النظرُ فيه هو ما اقتضته الصناعة ، وذلك بأن يجد خبرًا بدون مبتدإ أو بالعكس ، أو شرطًا بدون جزاء أو بالعكس ، أو معطوفًا بدون معطوف عليه ، أو معمولاً بدون عامل ” .

صور الحذف وأنواعه :

تتعدَّد صور الحذف في النحو العربيِّ ، من حذف علامات الإعراب ، وحذف أجزاء الكلمات ، وحذف الأدوات ، وحذف أجزاء التراكيب ، وحذف الجمل ، ويتنوَّع الحذف إلى نوعين :

الحذف الواجب : وهو حذف يوجبه النظام النحويُّ للجملة ، بحيث يكون ذكر المحذوف خطأً ، ويقع هذا الحذف في العناصر الإسناديَّة – كالمبتدأ في الجملة الاسميَّة ، والفعل في الجملة الفعليَّة – عدا الفاعل .

الحذف الجائز : وهو حذف يقتضيه الموقف الاسـتعماليُّ ، حيث يكون الذكر غير ممنوع في الصـناعة لكنَّه يضـرُّ بالمعنى المقصـود من المتكلِّم ، ويقع على العناصر الإسناديَّة وغيرها .

ويُحاط كلُّ نوع من أنواع الحذف الواجب بقواعد وشروط تنظِّم وقوعه ، فلا مجال فيه لغير النظام النحويِّ ، أمَّا الحذف الجائز فإنَّ أهم شرط فيه هو وجود القرينة اللفظيَّة أو المعنويَّة ، وهو ما سمَّاه ابن هشام ” دليل الحذف ” ، وجعل أحد نوعيه الدليل غير الصناعيِّ ، أي الَّذي لا علاقة له بصناعة النحو ، وإنَّـما يكون الاحتكام فيه إلى الحال ، أو إلى المنطوق - وهو الكلام الَّذي يعتمد على المسرح اللغويِّ كما يقول أ.د / أحمد كشك - ففي قـول المترقِّب لرؤيـة الهـلال : الهلال وربِّ الكعبة ، دليل الحذف حاليٌّ ، وتقدير المحذوف مبتدأ ( هذا الهلالُ ) تختلف علاقـات نطقه عن تقديره فعلاً ( رأيت الهلالَ ) ، وكـذلك إذا قلنا لمـن أتى بالماء: أباك ، أي : اسـق أباك ، فالـدليل على المحذوف في هذه الأسـاليب وأمثالها حاليٌّ ، أي مُستنبَط من قرينة الحال ، مع أنَّ الحكـم هنا لا يصـفو للحـال فقط ؛ فقد أعاننا على تقدير المحذوف “الاستلزام وسبق الذكر ، وكلاهما من القرائن اللفظيَّة”، أمَّا الدليل المقاليُّ فهو ما يوجد في كلام منطوق في المقام نفسه ، كما أسأل شخصًا: مَن عندك ؟ فيقول : محمَّد ، أي : محمَّد عندي .

والله الموفق.. د. صالح الشاعر


footer

 إن محتويات موقع ومدونة صالح الشاعر مادة أدبية مسجلة ومحمية بقانون حماية حقوق الملكية الفكرية، الموقع الرسمي لصالح الشاعر، يحتوي الموقع على (شعر، أدب، قصائد مسموعة، قصيدة، أنشودة، اقرأ واستمع، كتب، برامج، مكتبة مجانية، دواوين شعر، ديوان، من قلبي، الزمن الضائع، همس الروح، التعريف بالشاعر)، التصميم والتطوير بواسطة (نانوفيجن جروب)، شكر خاص: عابد الله سعيد(nanovisionحسين نصر(hn-designs) - جميع الحقوق محفوظة.